أحلى عيون..

نظرت شهد بدقة الى المرآة و ساورتها مرة أخرى هواجس و تساؤلات تؤرقها.. لماذا؟ لماذا لم تعد ترى تلك الفاتنة التي سحرت ألباب العقول، لم تعد تراها رغم استنزاف راتبها على مواد التجميل، رغم تلك الخصلة من شعر خمري ناعم التي لم تعد تختفي وراء “الشيلة” بل أطلقت عنانها للريح تسير بها يمنة و يسرة بعفوية مطلقة.. رغم عيناها التي بها وصفت بالحوراء و النجلاء و الشهلاء. عادت الى طاولة التسريحة و أخذت تنظر و تنتقي ما لذ و طاب من مستحضرات التجميل و غيرها من “المرطب الليلي” و “  تو –  ان - ون  مرطب مع واقي من الشمس” و “كريم الأساس” و.. و.. و.. لم تجد ما يشبع رغبتها اليوم، أرادت حل آخر يعيد جمالها، حل جديد يحول شحوبها الى نضارة.

 خاطبت نفسها و هي منهكة من التفكير، “لا بد من الخطوة التالية، تلك الخطوة التي ستعيد لي كل ذلك السحر و الفتون، أمي لم تعد ترى بتلك الدقة، فعيناها مليئتان بالماء الأبيض، و (بعدين) أنا عاملة في شركة ضخمة لابد أن أجاري قريناتي، و الا بقيت تحت الركام بينما يتفوقن هن، (الدنيا ترى صارت مظاهر و بس، اللي مثلي شايل دينه على راسه، ابد ما يتهنى بالدنيا)”.

 تحركت بخطى واثقة، فهي ترى اليوم بالذات تحرر من قيود البسها الدين و العادات و التقاليد عليها باحكام.

 جلست على الكرسي، تقدمت امرأة أخرى من ورائها مبتسمة و قالت “اش يريد مدام، سيم سيم مثل كل يوم؟”، تأملت فتاتنا مرة أخرى نفسها في المرآة، و قالت باندفاع “لا، اليوم سوي حواجب، زين، شوف هذا؟؟ أريد كله زوايد برا”.

 قرصة ألم ثم الأخرى و ما زالت شهد صابرة، بدأت شكوك النفس تراودها خاصة تلك التي تعدها بمقعد في النار، أصوات مختلفة ترنو على مسامعها تهمس “لعن الله النامصة و المتنمصة”، لكن صرخات  النفس الأمارة بالسوء كانت أعلى في هذه اللحظة، تدسها بجرعات من الاقناع بأشكال مختلفة منها “أنا ما أغضب ربي، قريت فتوى ذيك اليوم تقول التنظيف عادي” و أخرى “وأنا عاد ما سويت وشم لا سمح الله” و كانت الجرعة المهدئة الأخيرة تصرخ “الواحد بأعماله، الدين المعاملة، مستحيل ما أقرب حيت الجنة عشان بس شعيرات أريد أخوزها”

 وقفت من على الكرسي، أمعنت النظر الى المرآة، أخيرا بعد عناء طويل وجدت ضالتها من الجمال الموهوم، وجدته و استعدت لمواجهة العالم ببريق آخر، بسحر زاد عيناها تألقا و جمالا، حتى قوامها وجدته أحلى و أحلى.

 طرقت باب المنزل، ودخلت، وقفت مرة أخرى تحاكي المرآة، تقوس خيالي لم تره من قبل، عيناها أمست رونقا ليس له مثيل. مر أخوها الصغير، رآها و قال “مالش؟؟ كنش جنية!”، لم تعره أدنى اهتمام فهو لا يفقه في الجمال شئ، دخلت حجرتها و هي مبتسمة رغم احمرار عيناها من الألم الا انها كانت تشعر بشئ من نشوة الانتصار. لم تعد تستطيع الانتظار، غدا زميلاتها سيرونها أجمل و أجمل.

 استيقظت شهد من نومها صبيحة اليوم التالي وهي مفعمة بالنشاط و الحيوية، لبست ما يجاري مزاجها الرائع، دخلت مقر العمل بثقة، تنتظر وصول الفتيات على أحر من الجمر، أرادت تعليقا يزيدها سرورا و غرورا..

 وصلت غادة تلك الفتاة التي باعت الدنيا و زينتها بعد وفاة أخيها الطائش في حادث سير، دخلت معلنة السلام و التحية و جلست على كرسيها كأن شيئا لم يكن. تأخرن الأخريات، ولم تعد شهد تستطيع التحمل، أرادت تعليقا واحدا فقط يروي عطش الغرور السائد عليها، فقالت لغادة “ما ملاحظة شي فيني غير اليوم؟”، تمعنت غادة فيها قليلا و قالت “ماعرف كنش متغيرة، بس ما عارفة ويش بالضبط”، ردت شهد بحرقة “يالعورة ما ملاحظة حواجبي؟؟ و قبل لا تقوليلي حرام و حرام، ترى أنا فكرت فيها، ربنا غفور رحيم مستحيل ما أقرب الجنة عشان شوية حبتين اللي نمصتهم، ماتوقع هذا حديث صحيح أصلا”. مرة أخرى تمعنت غادة في عينا شهد الساحرتان، و بهدوء لا يشوبه زيف ولا خوف، أيقظت غادة شهد من حلمها بجملة واحدة مفادها:

“تذكري، سيدنا آدم و حواء خرجوا من الجنة و نعيمها بسبب تفاحة”     

فلسطين.. التاريخ المصور – للدكتور.طارق السويدان

كتاب رائع و مجهود يشكر بل يثاب عليه باذن الله الدكتور طارق السويدان، يأخذك في رحلة تاريخية للأرض المقدسة  عبر العصور و الأزمنة بأسلوب شيق يتميز بالرقي
 ملاحظاتي العابرة عن الكتاب
ما جذبني في الكتاب انه ليس عبارة عن قصة يسردها الكاتب، و لا كتاب تاريخ مفصل انما تقدم اليك الحقائق و الأرقام عبر فقرات بسيطة، يسهل قرائتها و الرجوع الى فقرة معينة متى شأت 
أسلوب الكاتب شيق الى أقصى حد، ما ان انتهيت من قراءة فقرة ظني انها الأشوق الا و أرى الفقرة التي تليها أشوق و أشوق و هكذا. أحيي الدكتور على هذا السرد الرائع
نجح الكاتب في احياء ذكرى بعض المواقف التاريخية العصيبة على الأمة، حتى ان عيني (العصية الدمع دائما) ذرفت قطرات حارقة على فتات أمة كانت الأعظم يوما ما
يبتعد الكاتب أشد البعد عن الحياد في سرد التاريخ وهو بالنسبة لي كقارئة عربية مسلمة يتوازى مع مشاعري و أحاسيسي بالقضية، انما لقارئ غربي أو غير مسلم فلا
يبتذل الكاتب بعض المذاهب الدينية في السياق و يمتدح أخرى، أرى ذلك يتنافى و بشكل كبير مع مغزى الكتاب، فان قضية فلسطين هي قضية كل مسلم و عربي، فمشارعرنا تجاهها متساوية. الم يقف الطيب اردوغان امام اوحش وحوش العالم مستميتا و مدافعا عن قضيتنا؟ الم تثبت حزب الله رجولتها عندما تقهقر جيش العدو كالنعامة يبكي الرجل فيها كطفل أخذت منه لعبته؟ 
 بعد قراءة الكتاب لا زالت تحوم في رأسي أفكار و تساؤلات، اكثرها غرابة و اقولها على استحياء: اننا نبكي على أرض مباركة أخذوها منا بالقوة ندعي بانها أرضنا من أزل الأزل. بالضبط كما بكى النصارى عندما أخذناها نحن أيام المغوار صلاح الدين الأيوبي و هم كذلك يدعون بانها أرضهم، فلماذا البكاء و العويل الآن؟ أليست مشاعر اليهود تجاه ما يدعوها أرضهم، بالضبط مثل مشاعرنا أيام الدولة العثمانية؟؟ و أليس من حقهم الدفاع عنها كما دفع صلاح الدين الغالي و النفيس من أجلها؟
الجواب من نظري هو اننا و مذ نعومة أظافرنا ندرس في المدارس و نسهب في الذكر بان اليهود هم رأس الشر و هم من اغتصبوا أرض مباركة (كانت لنا) عنوة. و انا اتفق مع هذا كليا و لكن أتسائل أكان هذا سيحدث لو كان صلاح الدين بيننا؟ أليس هو من قهر العدو يوما ما و تركهم يبكون أرضهم (أرض فلسطين). فالكل ينسب أرض المقدس له (فاليهود و النصارى يدعون أنها أرضهم مثلنا تماما). اذاً، اذا كنا نؤمن أنها أرضنا و حقنا فيها أكثر من اليهود فلماذا البكاء على غشامة العدو؟ فنحن (العرب و المسلمين) من خذلناك يا قلب الأمة، نحن من هديناك للغاصب يمرح فيك ليل نهار. و الأجدر الآن أن نذكر في تاريخ المناهج الدراسية هفواتنا، و اننا نحن من قدمنا فلسطين هدية غالية على طبق من ذهب للمغتصب. لعل و عسى أن يأتي جيل جديد و نصحو من غفلتنا قبل أن نقع كلنا في قبضة العدو يوما ما 
 

اكتفي الآن بقول: خذلنــــــــاك يــــا قلب الأمة، خذلنـــــــــــاك

وقفت على الديار أريد صحبي

مواقف خلدتها الذكرى:
 عزيزتي…
أتسائل و أنتظر من يعينني على الاجابة…أفعلا رحلت؟ …أعترف بأني  مذ افترقنا في الديار.. عزمت على الرحيل, حزمت حقائبي..لكن قلبي لم يوافقني القرار..عاودت النظر  ووازنت الأمور..وفعلا تراجعت و حملتكم في قلبي..أذكركم ليل نهار..مع القريب و مع البعيد..
ومع مرور الأيام..حل الصيف والشتاء و كنت ما  أن سمعت صوتكم و رئيتكم من بعيد الا ورفرف قلبي فرحا للقياكم..في حين كان الجرح يزداد عمقا يوما وراء الآخر,  عذرا حبيبتي و لكن لم أعد أحتمل أن أرى احبتي بل اخوتي يمرحون و يسرحون تاركين ورائهم قلبا يتأوه فاقدا لقياهم.. ربما تحسست لأني اعتبرت نفسي جزءا مكملا لكم..لكن خانتي ظنوني و من ثم توقعاتي..أين كنتم عندما كنت أبكي ليلي أنتظر اتصالا يسألني أن أبقى بجنبكم؟ …
 ..عذرا لا أقصد العتاب..ولكني أتسائل أفعلا حقً لي الرحيل؟  
صديقتي..لا زلت أحتضنكم بين جوانحي و ما زال القلب يرفرف فرحا للقياكم..لكن الجرح ما زال يزداد عمقا..لا لشئ عزيزتي ولكن لأن عيني لم تعد تلقاكم كما اعتادت.. ولأنها عندما تذرف دمعها لا يواسيها سوى كف المنديل..
و ما زلت أحبكم… 
  
وقفت على الديار أريد صحبي
فلم أسمع لصوتهم نعيبا
حسبت الدهر يبقيهم بقربي
فيحمل أنسهم مني الكروبا
صرخت بكيت يا زمني أجبني
علامي لا أرى خلا حبيبا؟
و أين الديار تجمعنا بحب
و كيف يكون مجلسنا كئيبا؟
و هل عيناي حقا لا تراهم؟
و ضيعت الخطى مني الدروبا؟
أجبني يا زمان و لا تقل لي
رفاقك أصبحوا شيئا عجيبا
و إن القوم باعوني لحزن
يعيش معي شمالا أو جنوبا
أجبني يا زمان و لا تقل لي
جراحك سوف تعلنها حروبا
و إن الصحب خانوا عهد حب
و إني لم أعد منهم قريبا
سكوتك يا زمان يذيب قلبي
و يشعل في جوانبه اللهيبا
لماذا لا تجيب على سؤالي
أتنوي مثل أصحابي المغيبا؟
فقال مقولة أعيت فؤادي
و صار الصوت في حلقي دبيبا
رفاقك إن هم باعوك يوما
فلا تحزن و لا تطل المغيبا
صفاء النفس مدفون بأرض
وصوت الحب لم يلق المجيبا
قلوب الناس أمواج تهادى
و قلبك زورق عشق الهروبا
فلا تعجب لما تلقى فهذي
سمات الصحب شبانا و شيبا
نظرت الى السماء و قلت حسبي
من الإخوان ذكرى لن تغيبا
فقل للقوم يا زمني بأني
و إن غدروا سأحتمل الخطوبا
إذا رفضت قلوب الناس قلبي
فقلبي نبضه يسع القلوبا
(كاتب هذه الأبيات غير معروف)

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.